أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي
138
العقد الفريد
فخرج حتى قدم المدينة ، فخرج إليه أهلها في عدة وهيئة وجموع كثيرة لم ير مثلها ؛ فلما رآهم أهل الشام هابوهم وكرهوا قتالهم ؛ فأمر مسلم بن عقبة بسريره فوضع بين الصفين وهو عليه مريض وأمر مناديا ينادي : قاتلوا عن أميركم أو دعوه فجدّ الناس في القتال ، فسمعوا التكبير من خلفهم في جوف المدينة ، فإذا قد اقتحم عليهم بنو حارثة أهل الشام وهم على الجدّ ، فانهزم الناس ، وعبد اللّه بن حنظلة متساند إلى بعض بنيه يغط نوما ، فلما فتح عينيه فرأى ما صنعوا أمر أكبر بنيه ! فتقدم حتى قتل ، فلم يزل يقدم واحدا واحدا حتى أتي على آخرهم ، ثم كسر غمد سيفه ، وقاتل حتى قتل ! ودخل مسلم بن عقبة المدينة ، وتغلب على أهلها ، ثم دعاهم إلى البيعة على أنهم خول « 1 » ليزيد بن معاوية يحكم في دمائهم وأموالهم وأهليهم ؛ فبايعوا حتى أتي بعبد اللّه بن زمعة ، فقال له : بايع على أنك خول لأمير المؤمنين يحكم في مالك ودمك وأهلك ! قال : لن أبايع على أني بزعم أمير المؤمنين يحكم في دمي ومالي وأهلي . فقال مسلم بن عقبة : اضربوا عنقه . فوثب مروان بن الحكم فضمّه إليه وقال : نبايعك على ما أحببت . فقال : لا واللّه لا أقيلها إياه أبدا ؛ إن تنحي وإلّا فاقتلوهما جميعا ، فتركه مروان ، وضرب عنقه . وهرب عبد اللّه بن مطيع حتى لحق بمكة ، فكان بها حتى قتل مع عبد اللّه بن الزبير في أيام عبد الملك بن مروان ، وجعل يقاتل أهل الشام وهو يقول : أنا الذي فررت يوم الحرّه * والشّيخ لا يفرّ إلّا مرّة فاليوم أجزي كرّة بفرّه * لا بأس بالكرّة بعد الفرّه أبو عقيل الدّورقي قال : سمعت أبا نضرة يحدث ، قال : دخل أبو سعيد الخدري يوم الحرّة في غار ، فدخل عليه رجل من أهل الشام ، وفي عنق أبي سعيد السيف ،
--> ( 1 ) خول : عبيد وإماء .